قضايا و اراء

42001‏السنة 126-العدد2001ديسمبر4‏19 من رمضـان 1422 هــالثلاثاء

‏6‏ ديسمبر‏1883‏
في ذكري رحيل
جبران خليل جبران
بقلم : د‏.‏مني حلمي

الكتابة عنه مخاطرة لاتحمد عقباها‏..‏ ذكراه سحر ثري السخاء‏..‏
ما بين المخاطرة والسخر تتعطر بالحيرة ألف علامة استفهام‏..‏ مابين المخاطرة والسحر‏,‏ حزن يلهم أجمل ما في الكون لأن يكون ويسر الأشجار المتألقة دفئا وخضرة يجود‏,‏
مابين المخاطرة والسحر‏,‏ كتب التاريخ حياة جبران خليل جبران‏6‏ ديسمبر‏1883‏ ـ‏4‏ ابريل‏1931‏ ـ بسطور من نور‏.‏

مابين المخاطرة والسحر‏,‏ أدخل إلي ذكراه في حياء وخشوع‏,‏ عسي الفؤاد بذكراه يلملم الهارب من الدقات‏,‏ وقد لاح له أفق الخلود‏.‏
جبران أهدتنا الدنيا ميلاده مع بدايات الشتاء‏,‏ وطالبت به مع بدايات الربيع‏,‏ ألهذا تراه كتب مرة قائلا‏:‏من للشتاء بمن يصدقه إذا قال إن الربيع محله قلبي‏.‏

وماأكثر الذين يلونون الأشياء في محاولة لإقناعنا أن الظل والخط والضوء بعض من أحوالنا وبعض من أحلامنا‏,‏ وقد تحتم علينا الامتنان وقبل انتهاء المحاولة ينتهون‏.‏
لكن جبران من فصيلة دم غريبة التكوين‏,‏ فكل إبداع مسته يداه مشبع بقوة ايحائية عجيبة‏,‏ تأبي إلا أن تتملكنا فإذا بنا نود أن نمنح لا أن نأخذ‏,‏ فإذا بنا أكثر شهية لأن نتأمل‏,‏ نتألم ونمنح الحياة المسجونة فينا فرصة الغناء‏.‏

عشق جبران الغناء الذي اعتبره الصلة السحرية بيننا وبين سيمفونية الكون‏,‏ كم من سطور عانقت فكري ووجداني‏,‏ تأخذ أوانها ولاتلبث أن تمضي إلي أين؟ لاأدري ولاأفكر في الرجوع إليها‏.‏
لكن سطور جبران عالقة بالذاكرة‏,‏ مختلطة بالهواء‏,‏ وعند شواطئها النائية أرتمي وأعود‏.‏

وعرفت السبب وفي معرفة الأسباب أحيانا شجن‏,‏ بعض السطور أوفت بحاجتي الي المعرفة‏,‏ بعض أشبع احتياجي لصحبة لاتسيء الفهم‏,‏ ولاتخون‏,‏ بعضها فك طلاسم الفرحة‏,‏ وبعضها علمني كيف الحلم‏.‏لكنني حين احتجت البكاء‏,‏ وحين جاء أوان النزيف‏,‏ لم أجد إلا سطور جبران تناديني وفي سكون الليل تمنحني السلوي والعزاء‏..‏ لكنها السلوي المفعمة بالقوة والعزاء الكامن فيه أوفر طاقات الحياة‏.‏
قال جبران قد تنسي من شاركك الضحك‏,‏ ولكنك لاتنسي أبدا من شاركك البكاء‏,‏ ومثلما يصدق هذا مع البشر يصدق مع الكلمات‏.‏

وشأن كل العباقرة لم يسلم جبران ممن تأتي بهم البشرية في كل عصر‏,‏ يدعون الفن‏,‏ ويزعمون الفضيلة‏,‏ قالوا عنه‏,‏ متطرفا‏.‏ فوضويا‏..‏ قالوا عنه مجنونا ورأوا فيه خطرا مهددا الإنسانية‏..‏ خطأ هؤلاء‏,,‏ أنهم عن سهو‏,‏ وفي معظم الأحيان عن عمد‏,‏ يخلطون الأمور‏.‏ فالمشكلة ليست في التطرف أو الفوضوية أو الجنون أو الخطر‏,‏ السؤال هو أي نوع من التطرف‏,‏ وأي نوع من الفوضوية وأي نوع من الجنون وأي نوع من الخطر؟ كل فنان متطرف‏,‏ وفوضوي‏,‏ لأنه أكثر الناس حنينا الي الاعتدال والنظام به شيء من الجنون الضروري لإطلاق طاقات العقل وهو خطر لأنه يكشف الزيف والظلم
سبح جبران ضد التيار وأعلي من قيمة الذات المتهمة‏,‏ انتشلها من شائعات روجت أنها أصل الشرور وحملها غير مبال بالسهام الشرسة لتتربع علي عرش الوجود قال جبران إن الفن الذي لاينطق به ذات الفنان لن يصل أبدا الي الغبطة الأبدية‏.‏

أحب جبران ذاته‏,‏ أرهف السمع حين تعزف علي أوتار الكون مايعذبها من أنين‏,‏ مايفرحها‏,‏ وماتخفيه من حنين‏.‏
وجاءت سطوره ولوحاته ثمارا لذلك الاستماع المخلص لنبض ذاته‏,‏ ذاتيته الشديدة جعلته يدرك مافي ذاته‏,‏ وذات كل إنسان من نطفة إلهيه‏..‏ ذاتيته الشديدة هي التي جعلته يحترم ذوات الآخرين‏,‏ إلي حد يخاطب ضيفه علي عتبة الدار قائلا‏:‏ لاتمسح حذاءك حين تدخل ولكن حين تخرج‏.‏

ذاتيته‏,‏ المكثفة‏,‏ اليقظة‏,‏ الحساسة‏,‏ هي التي سمحت له بأن يقدر ويحترم‏,‏ الآخر الي درجة تحرج البشر‏.‏
لقب جبران بألقاب كثيرة متعددة‏,‏ لعل أصدقها وصفا له أنه رسول الجمال وكيف لايكون جبران‏,‏ رسول الجمال‏,‏ وهو القائل افعل أي شيء طالما تفعله بجمال لم نحتج إلي جبران والي نبوءة الجمال التي يبشر بها بعد أن امتلأت حياتنا بعجائب من القبح‏,‏ لاتستلفت النظر‏,‏ ولاتثير النفور‏.‏

بعد الرحيل‏,‏ أعاتب جبران بكلمة كيف يامن وهب البشر أسرار السكينة والسعادة‏,‏ عجزت عن إبعاد التعاسة‏,‏ والاضطراب عن حياتك‏,‏ كيف منك هذا التناقض؟
لكنني ألبس أن أحوي فكري في الفن فقط‏,‏ فاقد الشيء يعطيه بل إن فقدانه هو شرط العطاء‏,‏ كل إبداع عظيم‏,‏ لابد له من تناقض عظيم‏,‏ رحل جبران وفي رحيلة وجود آخر ينتظر‏..‏ كتب جبران مشوق أنا الي الأبدية هناك ألقي قصائدي التي لم أكتبها وصورا لي لم أرسمها‏.‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين العالم الوطن العربي مصر الصفحة الأولي
ثقافة و فنون الرياضة إقتصاد قضايا و أراء تحقيقات
المرأة و الطفل ملفات الأهرام أعمدة الكتاب القنوات الفضائية