الكتاب

41079‏السنة 123-العدد1999مايو27‏11 من صفر 1420 هـالخميس

أوراق ثقافية
العمارة والعولمة
بقلم : السيد يسين

حين اتصل بي الصديق الدكتور عبدالحليم إبراهيم أستاذ العمارة المرموق لكي أشترك في الندوة التي عقدها قسم الهندسة المعمارية في كلية الهندسة بجامعة القاهرة في‏18‏ مايو‏1999,‏ والتي كان موضوعها العمارة المصرية وتحديات العولمة رحبت بالاشترك فيها بدون أدني تردد‏.‏ ويرد ذلك الي أنني ـ الباحث في علم الاجتماع ـ اهتممت بموضوع العمارة من سنين طويلة ترجع الي بداية اشتغالي بالبحث العلمي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وذلك في أواخر الخمسينيات‏.‏ فقد كان حظي أن يختارني المركز عضوا في فريق بحثي تشكل لاجراء مسح ثقافي واجتماعي واقتصادي لكل القري النوبية من أسوان الي أدندان‏,‏ لدراسة أوضاع المجتمع النوبي قبل بناء السد العالي‏,‏ وتمهيدا لتهجير النوبيين الي قري جديدة تبني لهم في كوم إمبو‏.‏ تشكل فريق البحث وكان أبرز عضو فيه المرحوم المهندس حسن فتحي المعماري المصري العالمي الشهير‏.‏ وأقلعنا من أسوان علي متن سفينة أثرية كان يستخدمها درايتون مفتش الآثار المصرية الفرنسي‏,‏ وزرنا كل القري النوبية بدون استثناء‏,‏ وكتبنا تقريرا بحثيا عن كل قرية‏,‏ واستطعنا في النهاية ان نستخلص التضاريس الأساسية للمجتمع النوبي وبنائه الاجتماعي وتركيبته الاقتصادية وقيمه الجمالية‏,‏ حتي تكون هذه المعلومات تحت بصر المخطط الاقتصادي والاجتماعي والمعماري‏,‏ الذي سيصمم القري النوبية الجديدة في كوم إمبو‏.‏
كانت خبرة فريد ة لي أبرزت لي العلاقة الوثيقة بين العمارة والظروف السياسية والقيم الاجتماعية والثقافية‏,‏ من خلال تجربة عملية عايشتها مع فريق البحث يوما بيوم‏.‏ وتم التهجير وانتقل النوبيون الي كوم إمبو‏.‏ وكلف فريق بحث آخر برئاستي لمتابعة النوبيين في موقعهم الجديد‏,‏ لدراسة مدي تكيفهم مع البيئة الجديدة‏.‏
لم يكن لدي المخططين الوقت لكي يستمعوا للنصائح الثمينة التي أسداها لهم حسن فتحي‏,‏ والتي تركزت حول أهمية اقامة مركز تدريب صغير في أسوان يجمع فيه البناءون من النوبة الذين بنوا البيوت عبر عشرات السنين لتطوير أساليبهم في البناء بالمواد المحلية‏.‏ واندفع المخططون بجهالة بيروقراطية لكي يوزعوا البيوت الجديدة علي السكان بحسب تعداد كل أسرة‏,‏ غير ملقين أي اعتبار لطريقة بناء البيت النوبي‏,‏ ولا لتجاور الأسرة النوبية الممتدة بحسب القرابة‏.‏ وهكذا تشتت البنيات أو العائلات الكبيرة في مواقع القري الجديدة‏,‏ نتيجة لتجاهل الاعتبارات الاجتماعية‏.‏
كما تم تجاهل القيم الجمالية النوبية الأصيلة‏,‏ والتي كانت تبرز أساسا في تزيين أبواب البيوت بطريقة تعبر عن احساس النوبيين بالجمال‏.‏ وحين قارنا بين هذه الأبواب التقليدية الجميلة التي شاهدناها في القري القديمة بالأبواب المصنوعة من الخشب الحبيبي الرخيص في النوبة الجديدة أدركنا عمق الفارق‏!‏
غير أن خبرتي المبكرة في علاقة العمارة بالمجتمع والثقافة‏,‏ دعمها بعد ذلك بوقت طويل قراءاتي في فلسفة مابعد الحداثة‏,‏ والتي كشفت لي عن أن مابعد الحداثة كتيار فلسفي وفكري يطمح الي تجاوز الحداثة بكل فنونها وآدابها وفكرها بل وعمارتها‏,‏ الي آفاق أرحب وأكثر تنوعا وأعمق اختلافا‏,‏ ظهر أول ماظهر في مجال العمارة‏,‏ كما تؤكد ذلك مؤلفات فلاسفة العمارة ومن أبرزهم شارلز جنكز وقنتودي‏.‏ ولكن كيف تختلف عمارة الحداثة عن عمارة مابعد الحداثة؟ هذا سؤال صعب لأنه يتعلق بجوانب فنية يصعب التطرق إليها في هذا المقال‏,‏ ولكن لابأس من أن نركز علي جانب مهم يبرز الفروق‏.‏ الحداثة الغربية كانت تعتمد علي نظرية خطية
‏Linear
في التاريخ الانساني‏,‏ تقوم علي أساس أن التاريخ الانساني يتقدم من مرحلة الي مرحلة أخري‏.‏ بمعني أن المرحلة الراهنة تعتبر متقدمة اذا ماقيست بالمرحلة السابقة‏,‏ حركة مابعد الحداثة تتبني موقفا مخالفا‏,‏ وتقول إن هذا التقييم وهم باطل‏,‏ لأن التاريخ الإنساني كما يعرف التقدم فهو يعرف التراجع أيضا‏!‏ ويضربون مثالا بارزا بظهور النازية والفاشية في أوروبا‏,‏ والتي تعد تراجعا حضاريا عما سبقها‏.‏ وقد طبقت الحداثة في العمارة نفس الفكرة‏,‏ فكانت لاتقبل من المعماريين بعد سيادة العمارة الوظيفية الرجوع الي الطرز المعمارية السابقة عليها‏,‏ لأن تاريخ العمارة ـ كما التاريخ الإنساني ـ ينبغي أن يسير في خط صاعد‏.‏
غير أن حركة مابعد الحداثة في العمارة حطمت هذا المبدأ‏,‏ حين تساءل بعض الرواد من معماري مابعد الحداثة‏:‏ ما الذي يمنعنا الآن من تصميم مبني حديث ونجعل الواجهة مزدانة بأعمدة علي الطريقة الرومانية أوالفرعونية‏,‏ ثم في داخل المبني نؤلف بين طرز مختلفة من عصور مختلفة لتحقيق هدف المنفعة والجمال معا في تصميم المبني؟
وهكذا أعلن فلاسفة عمارة ما بعد الحداثة الموت النهائي لعمارة الحداثة‏.‏ وبلغت السخرية بشارلز جنكز أن يقرر أن عمارة الحداثة انتهت تاريخيا في سانت لويس بولاية ميسوري الأمريكية وذلك في‏15‏ يوليو عام‏1972‏ الساعة الثالثة واثنتين وثلاثين دقيقة‏!‏ وهذا التوقيت يشير الي توقيت نسف مجموعة عمارات سكنية شعبية أقيمت لمحدودي الدخل‏,‏ ورفضوا سكناها لقبحها وعدم ملاءمتها لقيمهم الاجتماعية والجمالية‏,‏ وتحولت مع الزمن الي أوكار للمجرمين ومهربي المخدرات‏.‏ ولم يجد الإداريون بدا من اصدار قرار بنسفها بالديناميت‏!‏ وهكذا أصبحت هذه الواقعة الفريدة رمزا لافلاس عمارة الحداثة‏!‏
وقد أتيح لي منذ شهور أن أرأس في بيروت بتكليف من مركز دراسات الوحدة العربية ندوة لمناقشة كتاب ألفه المعماري العراقي المشهور رفعت الجادرجي عن بنيوية العمارة شارك فيها نقيب المهندسين اللبنانيين بالاضافة الي عدد من خيرة أساتذة العمارة‏,‏ ونشرت وقائع الندوة في مجلة المستقبل العربي‏.‏

مشكلة الاتصال والانعزال
سقت الملاحظات السابقة في بداية محاضرتي في الندوة لكي أبرر لماذا أجلس علي المنصة وحولي مجموعة من خيرة أساتذة العمارة الدكتور عبدالحليم ابراهيم‏,‏ والدكتور علي رأفت والدكتورة سوسن حلمي والتي سبق أن أعدت بحثا ممتازا للأستاذية عن العولمة والعمارة‏.‏
صحيح أنني كنت سأحاضر في موضوع العولمة وهو موضوع كتبت بصدده مقالات متعددة جمعت في كتاب صدر هذا العام بعنوان العولمة والطريق الثالث‏(‏ دار نشر ميريت‏1999)‏ غير ان الربط بين العولمة والعمارة كان يحتاج الي تبرير من جانبي كمحاضر‏,‏ لكي يقدم تفسيرا لتعرضي للعمارة‏.‏
وأيا ما كان الأمر‏,‏ ففي مجال عرضي للموضوع قارنت بين الثورة الصناعية والتي كان فيها البطل الرئيسي هو الآلة بكل أنواعها‏,‏ وبين الثورة العلمية والتكنولوجية والاتصالية التي ساعدت علي انشاء مجتمع المعلومات العالمي‏,‏ والبطل الرئيسي فيها بلا جدال هي شبكة الانترنت‏.‏
وكما أن كتابا عديدين من بينهم بعض الأدباء الموهوبين مثل هـ‏.‏ ج‏.‏ ولز و فورستر تحدثوا عن مخاطر الآلية التي غزت المجتمع الانساني بحكم انتشار الآلات‏,‏ فان كتابا روادا يكتبون اليوم عن مخاطر الانعزال الذي يمكن أن يتولد من فرط الاتصال المتزايد‏!‏ بعبارة أخري مادام الفرد سيستطيع من خلال الانترنت وهو جالس قبال جهاز الكمبيوتر ساعات طويلة أن يتصل بالعالم كله‏,‏ من خلال الاطلاع المباشر علي الوثائق والمعلومات في الشبكة‏,‏ ومن خلال البريد الالكتروني‏,‏ ومن خلال الحوار مع جماعات النقاش في كل أنحاء المعمورة‏,‏ أليس هناك احتمال كبير في أن ينعزل هذا الفرد عن أسرته وأصدقائه بل وعن مجتمعه‏,‏ ويقنع بالاتصال الكوني عبر الفضاء بدلا من تفاعله الحقيقي والحميم مع الأسرة وجماعات الأصدقاء والزملاء؟
وهكذا يمكن القول أن التحدي الأكبر الذي سيجابه المعماريين في القرن الحادي والعشرين هو كيف سيتصدون لمشكلة امكانية الاتصال الكوني المتزايد ومخاطر الانعزال الاجتماعي العميق في نفس الوقت‏.‏ سواء علي مستوي تخطيط المدن‏,‏ أو تصميم البيوت أو تنظيم المكاتب الإدارية‏.‏
ومما يكشف عن مخاطر الانعزال‏,‏ ما قرأته مؤخرا في احدي المجلات الأوربية من أن مستثمرا ذكيا اختار قرية ايطالية قديمة تقع في مكان طبيعي خلاب وقام بترميم وتجديد بيوتها‏,‏ بصورة عصرية مبهرة وباعها لرجال الأعمال الذين يفضلون قضاء عطلة نهاية الأسبوع في الريف‏.‏ يقول التحقيق الصحفي‏,‏ بعد بيع بيوت القرية كلها‏,‏ كانت تتوالي السيارات الفاخرة التي تحمل أصحابها من الأثرياء الي القرية‏,‏ وينزل صاحب السيارة‏,‏ ويدخل المنزل العصري المزود بكل أدوات الاتصال الكونية‏,‏ ولايخرج منه إلا بعد انتهاء أيام العطلة الأسبوعية‏,‏ لأن ما لديه من وسائل ووسائط الكترونية تغنيه عن الخروج من المنزل‏,‏ لتأمل الطبيعة بعيون مجردة‏.‏
هذه الواقعة قد تكون تأكيدا لفكرة أن مخاطر الاتصال الكوني المتزايد قد تؤدي الي عزلة اجتماعية مفرطة‏,‏ لها سلبياتها المتعددة من وجهة النظر الثقافية‏.‏
ولاشك أن العولمة بطابعها الكوني الاقتصادي والسياسي والثقافي‏,‏ ستكون لها آثار عميقة علي الفكر المعماري والممارسة المعمارية في مصر‏.‏ فالفكر المعماري وحتي قبل ذيوع العولمة بأدواتها الاتصالية الكونية أثر تأثيرا بالغا في العمارة المصرية‏.‏ ولاشك أن نزوع العولمة لصياغة ثقافة كونية لها معاييرها المتشابهة وقيمها التي تنزع الي توحيد الأذواق وتقنين القيم الجمالية خدمة لأهداف السوق الاستهلاكية التي تسعي الي زيادة اعداد المستهلكين باطراد‏,‏ واستهلاكهم لنفس السلع‏,‏ قد يؤدي الي اتجاه المعماريين المصريين الي تقليد النماذج العالمية في العمارة بغير اعتداد يذكر بالقيم الثقافية المصرية‏,‏ أو بالأذواق المحلية‏,‏ أو بالتراث الاجتماعي‏.‏ وهنا تبدو سلبية تأثر العمارة بالعولمة‏.‏ غير أن هناك بالقطع جوانب ايجابية من التفاعل بين العولمة والمحلية‏,‏ أبرزها ولاشك الحلول المستحدثة التي سيبتكرها الفكر المعماري العالمي لمشكلات الفضاء والفراغ علي مستوي تخطيط المدن وتشييد العمارات السكنية والإدارية‏.‏ وليس هناك من شك أن دروس التاريخ تثبت لنا أن التفاعل الحضاري الخلاق بين القيم الثقافية المختلفة‏,‏ هي أساس تقدم المجتمعات‏.‏ فما بالنا اذا كان هذا التفاعل الحضاري أخذ يتعمق اليوم بمتوالية هندسية في ظل ثورة المعلومات والاتصالات الكبري؟

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب