قضايا و اراء

السنة 123-العدد 41048‏1999ابريل 26‏10 من محرم 1420 هـالأثنين

الشيك‏..‏ أداة تهديد‏!!‏
بقلم : دكتور‏/‏ محمود سمير الشرقاوي
أستاذ القانون التجاري ـ كلية الحقوق جامعة القاهرة

هناك ثلاث صور للأوراق التجارية المعروفة في التعامل‏,‏ وهي الكمبيالة والسند الإذني والشيك‏,‏ وتؤدي الكمبيالة والسند الإذني وظيفتين إقتصاديين هما الوفاء بالديون‏,‏ وكوسيلة لتقديم الإئتمان متي تضمنت أجلا للوفاء‏,‏ أما الشيك فهو أداة وفاء فقط‏,‏ والشيك وهو الورقة التي أشار إليها تقنين التجارة القائم الصادر سنة‏1883‏ بعبارة أوراق الحوالات الواجبة الدفع بمجرد الاطلاع عليها إذ لم يستعمل التقنين اصطلاح الشيك‏,‏ حيث كان أول استعمال له‏,‏ في قانون العقوبات المصري سنة‏1937‏ بالنص في المادة‏337‏ منه علي عقاب كل من يعطي شيكا لايقابله رصيد قائم وقابل للسحب بعقوبة جريمة النصب وهي الحبس والغرامة أو إحدي هاتين العقوبتين‏.‏ ثم عدل المشرع العقوبة بتشديدها بموجب القانون رقم‏29‏ لسنة‏1982‏ بتعديل عقوبة النصب المنصوص عليها في المادة‏336‏ عقوبات والتي تسري علي جرائم الشيك بدون رصيد بجعل العقوبة هي الحبس وجوبا أي الحبس دون الغرامة لمدة لاتجاوز ثلاث سنوات‏.‏
ومنذ صدور هذا التعديل‏,‏ زاد حجم جرائم الشيكات بدون رصيد‏,‏ وأصبحت تشكل النسبة العالية من القضايا التي تعرض علي محاكم الجنح‏,‏ إذ بتشديد العقوبة‏,‏ فقد توافر للدائن وسيلة فعالة في نظره يكره بها مدينه علي الوفاء حيث إن تحرير الشيك دون أن يقابله رصيد سيؤدي إلي حبس المدين‏,‏ مالم يبادر بالوفاء قبل أن يتخذ دائنه الاجراءات الجنائية ضده‏,‏ أو حتي بعد اتخاذ هذه الاجراءات وقبل أن يصير الحكم الجنائي نهائيا قابلا للتنفيذ إذ تقضي المحاكم عند المعارضة في حكم الحبس أو استئنافه‏,‏ بوقف تنفيذ العقوبة متي قام المدين ساحب الشيك بالوفاء‏.‏
ولما كانت نصوص تقنين التجارة القائم لم تعالج التعامل بالشيكات بنصوص تغطي كل جوانب هذا التعامل‏,‏ فقد استقر العمل علي عدة قواعد‏,‏ أدي بعضها الي الانحراف بالشيك عن وظيفته الحقيقية كأداة وفاد‏.‏ من ذلك أن الشيك أصبح يحمل تاريخا مؤجلا يختلف عن التاريخ الذي تم تحريره فيه‏,‏ ولايقبل البنك المسحوب عليه الشيك صرفه أو الإفادة بعدم وجود رصيد له إلا في التاريخ المذكور في الشيك‏,‏ وليس في تاريخ تقديمه إلي البنك قبل التاريخ المبين في الشيك‏,‏ أي تحول الشيك إلي أداة إئتمان شأنه في ذلك شأن الكمبيالة والسند الإذني‏,‏ ولكنه يفضلهما من وجهة نظر الدائن في أن الشيك يتمتع علي خلاف الكمبيالة والسند الإذني بالحماية الجنائية‏,‏ إذا يتعرض الساحب للحبس الوجوبي إن لم يتم صرف الشيك من البنك المسحوب عليه‏,‏ أو اذا لم يبادر إلي سداده من أمواله الخاصة‏,‏ وغالي المتعاملون بالشيك في الانحراف بوظيفته الأساسية كأداة وفاء بتحرير شيكات وهمية لاتستند علي حساب حقيقي تسحب عليه‏,‏ فيحرر الشيك علي ورقة عادية أو علي نماذج مطبوعة يحصل عليها المتعاملون من أيه مكتبة‏,‏ فيكتب الساحب اسم بنك معين ورقم حساب له‏,‏ دون أن يطابق ذلك الواقع‏,‏ فالساحب ليس له حساب حقيقي في البنك المسحوب عليه‏,‏ وانما يحرر هذه الشيكات‏,‏ حيث أن دائنه لايقبل منه سوي شيكات إذا لم يدفعها عند حلول ميعاد الاستحقاق المذكور فيها‏,‏ فإنه يتخذ ضده الاجراءات الجنائية‏,‏ فإما أن يكون قادرا علي السداد مهما كانت الوسيلة التي يلجأ إليها لذلك حتي لايتعرض للحبس‏,‏ وإما أن يقضي بحبسه لمدة قد تصل الي ثلاث سنوات‏.‏
لذلك كله وجد التجار في البيوع بالتقسيط وكذلك البنوك عند تقديم إئتمانها للعملاء‏,‏ في الشيك ضالتهم المنشودة‏,‏ كوسيلة لتهديد مدينيهم عند حلول ميعاد الاستحقاق دون الوفاء بقيمته‏.‏
الشيك إذن يستعمل كوسيلة إئتمان بين التجار أو بينهم وبين العملاء‏,‏ وكوسيلة ضمان لحقوق البنوك لدي عملائها‏,‏ بالرغم من أن الشيك عرف اصلا ليكون أداة وفاء فورية‏,‏ تجري مجري النقود في المعاملات‏,‏ كما تقول محكمة النقض المصرية‏,‏ ويجب بالتالي أن يكون مستحق الوفاء فورا وبمجرد تقديمه الي البنك مهما كان التاريخ المذكور فيه‏,‏ لأن المشرع عندما أسبغ علي الشيك الحماية الجنائية دون سائر الأوراق التجارية الأخري كالكمبيالة والسند الإذني‏,‏ قصد بذلك أن تقتصر وظيفة الشيك علي الوفاء ليستعمل عوضا عن النقود في التعامل‏.‏
وحقيقة الأمر أنه بالرغم من انحراف التعامل بالشيك ليخرج عن وظيفته الأصلية كأداة وفاء ليصبح إما أداة إئتمان أو أداة ضمان‏,‏ فإنه لايحقق حتي هاتين الوظيفتين من الناحية العملية بل إنه‏,‏ بما درج عليه المتعاملون به‏,‏ يهدد الإئتمان ويعد وسيلة خطيرة تضر بالإقتصاد القومي‏,‏ فالمتعاملون بالشيك يحررون شيكات علي غير نماذج البنوك‏,‏ ويسحبون هذه الشيكات علي حسابات وهمية بوضع اسم بنك ما‏,‏ دون ان يكون للساحب إدني صلة به‏,‏ إذ أنه ليس من عملائه‏,‏ بل قد لايعرف مكانه؟‏!‏
والهدف من تحرير هذه الشيكات الوهمية‏,‏ التي يعاملها القانون القائم مع الأسف علي أنها شيكات حقيقية ويوفر لها الحماية الجنائية‏,‏ هو تهديد المدين الساحب للشيك عندما لايقوم بالوفاء بدينه في الميعاد المحدد في الشيك‏,‏ فيضطر إما إلي اللجوء إلي أية وسيلة للحصول علي مقدار الدين‏,‏ أو يتعرض للحبس‏,‏ أما الإئتمان فهو غير موجود‏,‏ بل إنه ائتمان زائف لايستند علي ملاءة مالية تمكن المدين ساحب الشيك من الوفاء‏,‏ وأصبحنا نجد الشيكات التي تستحق الوفاء بعد مدد تجاوز السبع سنوات‏!!‏ برغم أن تقنين التجارة يصف الشيكات منذ مايزيد علي مائة وستة عشر عاما بأنها واجبة الدفع بمجرد الاطلاع عليها‏.‏
وحدثت أزمات لدي عدة بنوك بسبب استعمال الشيك الآجل كادت تهدد الاقتصاد القومي‏,‏ إذ قامت بعض بنوك بسحب شيكات آجلة علي بعضها‏,‏ وتخصمها لدي البنوك أخري علي سبيل المجاملة وعند حلول الأجل لاتجد أساسا حقيقيا لدي المدينين تحصل منه علي حقوقها‏..‏
لذلك كان لابد من تدخل المشرع بشكل حاسم‏,‏ ليعيد إلي الشيك هيبته وثقة المتعاملين به‏,‏ ووضع مشروع قانون التجارة من لجنة شكلها وزير العدل تضم نخبة المتخصصين في القانون التجاري في مصر‏,‏ ووضعت هذه اللجنة نصوصا لمعالجة هذا الوضع الخطير الذي أصبح يهدد النشاط الاقتصادي وانتهت اللجنة الي تبني الأحكام الصحيحة للشيك والتي تسير عليها جميع التشريعات والاتفاقيات الدولية‏,‏ والتي تعيد إلي الشيك وضعه الصحيح كأداة وفاء فتبقي للشيك احترامه وتعيد إليه الثقة‏,‏ وليصبح فعلا بديلا عن النقود في المعاملات‏.‏ أما المتخوفون من تصحيح الوضع الخاطئ القائم في العمل‏,‏ ومن أنه قد يعرض السوق للكساد وبالذات في عقود البيع بالتقسيط‏,‏ فإنه لا محل لهذا التخوف‏,‏ بل إن الوضع القائم هوالذي يسئ الي التعامل التجاري‏,‏ إذ لا فائدة من التعامل مع شخص معسر بالزامه بتحرير شيكات وهمية تهدده بالحبس ان لم يقم بالوفاء‏..‏ وما فائدة أن نملأ السجون بمحرري الشيكات من المعسرين‏,‏ هل هذا هو ما سيحقق الرخاء وينعش التجارة؟‏!‏ إن التجار والبنوك كانوا يتعاملون قبل تشديد عقوبة الشيك بدون رصيد بالسندات الإذنية باعتبارها أداة ائتمان تسمح بالبيع أوالوفاء الاجل‏,‏ ويحمي المشرع البيع بالتقسيط بنصوص أخري مثل توقيع عقوبة رادعة علي من يتصرف في السلعة قبل سداد جميع الأقساط‏,‏ أو عقاب المشتري الذي يمتنع عن سداد أكثر من قسطين متتاليين مع قدرته علي الدفع‏,‏ وهو مالجأ إليه مشروع قانون التجارة الجديد‏.‏
أما البنوك‏,‏ فإنه أولي بها أن تمتنع عن منح إئتمانها لعملاء لا تثق في قدرتهم وملاءتهم ولاتجد لديهم ضمانات للوفاء بمستحقاتها‏,‏ بدلا من اللجوء إلي وسيلة لتهديد عملائهم بالحبس‏,‏ بإلزامهم بتحرير شيكات ضمان‏..‏ وهي غالبا تسحب علي الهواء أي بدون رصيد‏,‏ لكي تضمن عند استحقاق هذه الشيكات اضطرار المدين إلي سداد مديونيته بأية وسيلة حتي لايتعرض للحبس ولكن غالبا ماينتهي الأمر بحبس المدين المعسر‏.‏
لذلك فقد أحسن المشروع الجديد‏,‏ عندما تطلب لصحة الشيك أن يحرر علي نموذج صادر من بنك‏,‏ دون إجازة الشيكات المكتبية‏,‏ كما يسميها العمل‏,‏ ووصفها الحقيقي أنها شيكات وهمية لاتستند الي حساب حقيقي‏.‏
ونص المشروع علي أن الشيك مستحق الوفاء لدي الاطلاع‏,‏ ليعود الي الشيك وضعه الصحيح‏.‏ ونص أيضا علي عقاب من يدعي علي غير الحقيقة بتزوير شيك ليماطل في دفعه‏,‏ ثم يتضح بعد التحقيق أنه إدعاء غير صحيح‏.‏
كما أجاز المشروع وقف تنفيذ العقوبة إذا قام الساحب بسداد قيمة الشيك في أية مرحلة كانت عليها الاجراءات الجنائية ضد الساحب‏,‏ حتي ولو بعد الحكم النهائي وأثناء تنفيذ العقوبة‏,‏ وذلك لتشجيع الساحب علي الوفاء بقيمة الشيك وهو الهدف الذي يسعي إليه الدائن في الشيك‏.‏
وحتي لايضطرب التعامل بالشيك عند صدور مشروع القانون‏,‏ فإن المشروع أقر بصحة الشيكات التي تكون موجودة في التعامل بشكلها الحالي‏,‏ أي ولو كانت غير محررة علي نموذج بنكي أو بها تاريخ استحقاق مؤجل مهما كان الأجل‏,‏ بشرط ان تقدم هذه الشيكات خلال سنتين من تاريخ نشر القانون الجديد‏,‏ لاثبات تاريخها بدون رسوم‏,‏ لدي مكاتب التوثيق والشهر العقاري أو بتسجيلها لدي البنوك المسحوبة عليها في سجلات خاصة تعد لذلك‏..‏

بداية الصفحة

تقارير المراسلين
العالم
الوطن العربي
مصر
الصفحة الأولي
ثقافة و فنون
الرياضة
أقتصاد
قضايا و أراء
تحقيقات
ملفات الأهرام
أعمدة
الكتاب